محمد حسين الذهبي

156

التفسير والمفسرون

ثم إننا بعد هذا نلحظ لونا شخصيا آخر في التفسير النقلي ، ذلك أن الشخص الذي يعرف قيمة الرجال ، ويستطيع أن ينقد السند ، ويعرف أسباب الضعف في الرواية ، نرى تفسيره يطبع بهذا الطابع الشخصي الخاص ، فيتحرى الصحة فيما يرويه ، فلا يدخل في كتابه مرويا اعتراه الضعف أو تطرق إليه الخلل . أما الشخص الذي لا دراية له بأسباب الضعف في الرواية ، وليس عنده القدرة على نقد الرجال ونقد المروى عنهم فحاطب ليل ، يجمع كل ما ينقل له في ذلك بدون أن يفرق بين الصحيح وغيره . وبعد . . . أفلا ترى أنه حتى في رواج التفسير النقلي وتداوله تكون شخصية المتعرض للتفسير هي الملونة له ، المروجة لصنف منه ؟ أظن أن نعم . الضعف في رواية التفسير المأثور وأسبابه علمنا مما تقدم أن التفسير المأثور يشمل ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن ، وما كان تفسيرا للقرآن بالسنة ، وما كان تفسيرا للقرآن بالموقوف على الصحابة أو المروى عن التابعين . أما تفسير القرآن بالقرآن ، أو بما ثبت من السنة الصحيحة ، فذلك مما لا خلاف في قبوله ؛ لأنه لا يتطرق إليه الضعف ، ولا يجد الشك إليه سبيلا . وأما ما أضيف إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو ضعيف في سنده أو متنه فذلك مردود غير مقبول ، ما دام لم تصح نسبته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأما تفسير القرآن بما يروى عن الصحابة أو التابعين ، فقد تسرب إليه الخلل ، وتطرق إليه الضعف ، إلى حد كاد يفقدنا الثقة بكل ما روى من ذلك ، لولا أن قيض اللّه لهذا التراث العظيم من أزاح عنه هذه الشكوك ، فسلمت لنا منه كمية لا يستهان بها ، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطا في كثير من الكتب التي عنى أصحابها يجمع شتات الأقوال .